حوادث العمل القاتلة ... قضية مؤرقة بحاجة الى علاج! من: حسن شعلان، بانوراما
يصف التقرير اسباب حوادث العمل التي اصابت العمال العرب في الفترة الاخيرة.
"الظروف الاقتصادية لها تأثير مباشر"
أول المتحدثين نيقولا شحادة من كفر ياسيف الذي يعمل منذ زمن طويل في مجال البناء، وهو لا يخفي قلقه من تصاعد حوادث العمل التي أودت في الآونة الاخيرة بحياة عدد من العمال من الوسط العربي، ويتحدث عن هذه الظاهرة قائلا: "للأسف الشديد، هناك الكثير من حوادث العمل المؤلمة التي وقعت وراح ضحيتها شباب من كافة أنحاء الوسط العربي، وقد لقي هؤلاء الشباب مصرعهم ودفنوا مع أمنياتهم التي كانوا يرغبون في تحقيقها، ونحن نسمع عن وقوع هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يثير القلق والتوتر نوعا ما".
وحول السبل لمواجهة الاخطار المحدقة بالعمال في ورشات العمل ، قال شحادة: "باعتقادي انه ومن أجل تجنب مثل هذه الحوادث، يجب في الدرجة الاولى على العامل الإنتباه والتركيز في عمله من كافة الجوانب، كما يجب توفير وسائل الأمان لكل عامل كي لا يتعرض العمال للخطر، وأقترح أيضا ان توضع برامج توعية للعمال، حول كيفية الحفاظ على أنفسهم خلال العمل".
وتابع شحادة قائلا: "هناك الكثير من العمال الذين يهملون في عملهم، وقد يعملون من دون تركيز، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المشاكل الإجتماعية والظروف الاقتصادية لها تأثير مباشر على عدم التركيز في العمل، مما يسبب بالتالي الى وقوع حوادث عمل غير متوقعة، وأنا من خلال عملي أراقب العمال في ورشة العمل جيدا، وأحثهم أن يكونوا حذرين، لان موضوع مصرع عمال في ورشات العمل لا سمح الله، يؤثر نفسيا على كل عامل، خاصة اذا كان المتوفي يعمل في نفس المهنة".
"يجب على كل عامل ان يكون حذرا"
من جانبه، يقول الميكانيكي محمد ابو كاشف من مدينة الرملة، أن على العامل الابتعاد عن أماكن العمل التي يشعر أنها تشكل خطرا على حياته بسبب معاملة رب العمل أو عدم توفر وسائل الأمان، ويقول: "موضوع الأشخاص الذين يلقون مصرعهم في حوادث العمل خطير جدا، وهذا الموضوع بحاجة إلى معالجة فورية كي تقلع ظاهرة هذه الحوادث من جذورها، لأنني أعرف الكثير من الاشخاص الذين تركوا عملهم نتيجة هذه الحوادث، والتي أثرت على نفسياتهم وتفكيرهم، والأمر المحزن هو الأحلام التي تذهب مع ضحايا هذه الحوادث، الذين وضعوا امامهم خططا وبرامج مستقبلية، الا ان القدر شاء ان يغير الاحوال، ومن هنا يطلب من كل عامل ان يكون حذرا في عمله، لا ان ينشغل بالتفكير في الظروف التي تحيط به".
ويسوق ابو كاشف نموذجا لحادث شخصي تعرض له، ويقول: "انا مثلا تعرضت لاصابة عمل قبل عدة ايام، بعد ان وقعت من ارتفاع يصل الى 6 امتار، والحمد لله فقد كُتب لي عمر جديد ، ولو انني لا سمح فارقت الحياة، لكنت ايضا فقدت عائلتي وكل احلامي التي تمنيت ان احققها".
ومضى ابو كاشف قائلا: "من الأسباب التي تؤدي الى مصرع اشخاص خلال عملهم، أو اصاباتهم هي معاملة بعض أصحاب العمل لعمالهم بصورة إستعبادية وغير انسانية، اذ ان هذه الطريقة والمعاملة تدب في نفسية العامل الكراهية للعمل ومشغله، ومن هنا يبدأ الإهمال في العمل واللامبالاة، وحتى يحمي العامل نفسه من كل هذه الحوادث يجب ان يتجنب أماكن العمل التي يشعر انها تشكل خطرا على حياته بسبب المعاملة او عدم توفير الأمان للعامل".
"من المفروض مراقبة ورشات العمل المختلفة"
من ناحيته، يقول أحمد دلاشة من البعينة والذي يعمل في مجال البناء، أنه يتوجب تنفيذ سبل الحماية وإتباعها خلال العمل وذلك وفق ما ينص عليه القانون، لحماية العمال من الإصابات المختلفة، ويضيف قائلا: "هناك قوانين معروفة يجب تنفيذها خلال العمل حتى يتم المحافظة على سلامة وحياة العمال، واذا لم ينفذ أي بند من هذه القوانين وتعليمات السلامة، فالنتيجة ستكون وخيمة جدا، خاصة في الحالات التي تقع فيها حوادث عمل تسفر عن مصرع عامل مثلا، وللأسف الشديد لا ألمس أن هنالك تشديدات في هذا المضمار من قبل الجهات المسؤولة، فمن المفروض مراقبة ورشات العمل المختلفة حتى يشيروا لأصحابها إلى النواقص التي يجب الانتباه لها وتوفيرها كي يضمنوا أمان وسلامة العمال، خاصة ان حوادث العمل التي تؤدي الى الموت مرعبة جدا".
واردف دلاشة قائلا: "الامر المقلق في هذه الحوادث ان اصحاب الورشات والعمال ايضا، ينسون الحوادث المؤلمة بعد اسبوعين أو أكثر بقليل من وقوعها، وكأن شيئا لم يكن، والدليل على ما اقوله الإهمال في العمل وعدم مراقبة الورشات، وازدياد عدد الحوادث".
"لهذا الأمر انعكاسات سلبية على العمال وأهاليهم"
النجار محمد غنايم من باقة الغربية يدلو هو الآخر بدلوه حول هذا الموضوع، فيقول أنه تعرض هو بنفسه أكثر من مرة لحوادث عمل، وأنه فقد صديقا كان يعمل في كسارة نتيجة حادث عمل، وأنه يتألم بسبب ذلك حتى اليوم، ويحدثنا قائلا: "من المؤسف جدا ان نرى الإرتفاع في عدد حوادث العمل القاتلة في ورشات العمل، ولهذا الأمر انعكاسات سلبية على العمال وأهاليهم أيضا، اذ اصبح العامل في ايامنا هذه، يذهب الى عمله ويترك وراءه قلقا داخل عائلته وأقربائه، وعلى الصعيد الشخصي أنا تعرضت للكثير من إصابات العمل نتيجة عدم انتباهي احيانا للحركات التي اقوم بها، فعملي فيه خطورة وأية حركة غير صحيحة تعرض حياتي للخطر، كما انني فقدت أحد اصدقائي الذي كان يعمل بكسارة قبل عدة سنوات، وكنت أعلم ان صديقي هذا ينوي السفر الى خارج البلاد كي يكمل مشواره الجامعي، وكان ينوي افتتاح مؤسسة كبيرة، الا ن احلامه ضاعت، وفي الحقيقة أنا ما زلت أتألم حتى هذا اليوم بسبب هذا الحدث".
وتابع غنايم قائلا: "علينا أن نحمي أنفسنا من إصابات العمل، ويجب على كل عامل ان يعمل في المجال الذي يحبه ويرغب في العمل به، اذ ان ظاهرة البطالة جعلت كثيرا من العمال يتوجهون للعمل في أماكن لا يرغبون بها بسبب الحاجة الماسة ووضعهم المعيشي الصعب، ومثل هذه الامور تسبب العمل بظروف غير مريحة، الأمر الذي قد يؤدي لاصابات خطيرة وغيرها".
"يجب أن توفر للعامل الادوات ليعمل بصورة آمنة"
المحامي شفيق مسلم من الناصرة، يتحدث حول الجوانب القانونية لهذا الموضوع، مؤكدا أن القانون يلزم كل مشغل أن يوفر لعماله وسائل الأمان التي تضمن سلامتهم خلال عملهم، ويقول: "أغلب الأسباب التي تؤدي الى وقوع حوادث العمل القاتلة، تعود الى عدم قيام المشغل بتوفير الوسائل الواقية اللازمة للعمال، مثل لبس الخوذات وربط العمال وقت صعودهم ونزولهم السلالم، إذن تبدأ المشكلة من المشغل الذي لا يهتم ان يشتغل عماله بأساليب وقائية حسب القانون لمنع الحوادث، ونحن نسعى الى تنظيم ندوات لارشاد العمال وتقديم الشرح لهم حول كيفية العمل باساليب تحميهم من الاصابات الخطيرة والبالغة. وكما أسلفت انه يجب أن توفر للعامل كل الادوات اللازمة له كي يعمل بصورة آمنة، وليس من المفروض على العامل ان يجلب هذه الأدوات".
وتابع المحامي مسلم قائلا: "نحن ننظر الى قضية مصرع أشخاص خلال عملهم بمنتهى الخطورة، ولو نظرنا الى الاشخاص الذين يلقون مصرعهم في حوادث العمل نرى انهم عمال بسطاء ومهملون من قبل اصحاب ورشات العمل ولا يأخذون حقوقهم، والعامل الذي يريد ان يترزق هدفه الاول والأخير هو الحصول على معاش في نهاية كل شهر، دون المطالبة بحقوقه اللازمة التي توفر له الأمان، وهذا النوع من العمال عمليا لا يفكرون للاسف الشديد حتى في هذه الحقوق التي يستحقونها، وانا اطلب من كل مشغل توفير المعدات الوقائية للعمال حتى لا يتعرضوا للاصابات والموت لا سمح الله".
|